Ideal and material models — النماذج المثالية والمادية
إن الغموض الذي يكتنف مصطلح «النموذج»، والعدد الهائل لأنواع النمذجة وتطورها السريع، يجعل من الصعب في الوقت الحاضر بناء تصنيف منطقي متكامل للنماذج يرضي الجميع. وأي تصنيف من هذا القبيل هو تصنيف مشروط، لأنه يعكس من ناحية وجهة النظر الذاتية للمؤلفين، ومن ناحية أخرى محدودية معرفتهم في عدد محدود من مجالات المعرفة العلمية.
ينبغي النظر إلى هذا التصنيف كمحاولة لبناء أداة أو نموذج لدراسة خصائص وسمات عملية النمذجة نفسها. تنتمي النمذجة إلى المناهج العلمية العامة للمعرفة. ويؤدي استخدام النمذجة على المستويين التجريبي والنظري للبحث إلى تقسيم مشروط للنماذج إلى مادية ومثالية.
النمذجة المادية هي النمذجة التي يتم فيها دراسة الكائن باستخدام نظير مادي له، والذي يعيد إنتاج الخصائص الفيزيائية والهندسية والديناميكية والوظيفية الأساسية لهذا الكائن. النوعان الرئيسيان للنمذجة المادية هما النمذجة الطبيعية والنمذجة التناظرية. وكلا النوعين من النمذجة يعتمدان على خصائص التشابه الهندسي أو الفيزيائي.
تختلف النمذجة المثالية عن النمذجة المادية في أنها لا تعتمد على تماثل مادي بين الكائن والنموذج، بل على تماثل مثالي، أي عقلي، وتكون دائمًا ذات طابع نظري. النمذجة المثالية هي الأساس الذي تسبق النمذجة المادية. ففي البداية، يتشكل النموذج المثالي في وعي الإنسان، ثم يُبنى النموذج المادي على أساسه.
النمذجة المادية
النوعان الرئيسيان للنمذجة المادية هما النمذجة الطبيعية والنمذجة التناظرية. وكلا النوعين من النمذجة يعتمدان على خصائص التشابه الهندسي أو الفيزيائي. يكون شكلان هندسيان متشابهين إذا كانت نسبة جميع الأطوال والزوايا المتناظرة متساوية. إذا كان معامل التشابه — أي مقياس الرسم — معروفًا، فيمكن تحديد أبعاد الشكل الهندسي الآخر المشابه له بضرب أبعاد الشكل الأول في قيمة المقياس. وتكون ظاهرتان متشابهتين فيزيائيًا إذا كان من الممكن الحصول على خصائص إحداهما من خلال خصائص الأخرى عن طريق إعادة حساب بسيطة، تشبه الانتقال من نظام وحدات قياس إلى آخر. وتُعنى نظرية التشابه بدراسة شروط تشابه الظواهر.
النمذجة الطبيعية هي نمذجة يتم فيها مقابلة الكائن الحقيقي بنظير مادي مكبر أو مصغر له، مما يسمح بدراسته (عادة في ظروف مختبرية) مع نقل خصائص العمليات والظواهر المدروسة لاحقًا من النموذج إلى الكائن بناءً على نظرية التشابه.
النمذجة التناظرية هي نمذجة تستند إلى تماثل العمليات والظواهر التي لها طبيعة فيزيائية مختلفة، ولكنها توصف رسميًا بالطريقة نفسها (بنفس العلاقات الرياضية، والمخططات المنطقية والهيكلية). يقوم أساس النمذجة التناظرية على تطابق الأوصاف الرياضية للكائنات المختلفة.
تُعد النماذج من النوعين الفيزيائي والتناظري انعكاسًا ماديًا للكائن الحقيقي وترتبط به ارتباطًا وثيقًا بخصائصها الهندسية والفيزيائية وغيرها. وفي الواقع، تقتصر عملية دراسة النماذج من هذا النوع على إجراء سلسلة من التجارب الطبيعية، حيث يُستخدم نموذج فيزيائي أو تناظري بدلاً من الكائن الحقيقي.
النمذجة المثالية
تنقسم النمذجة المثالية إلى نوعين رئيسيين: الحدسية والعلمية.
النمذجة الحدسية هي نمذجة تستند إلى تصور حدسي (غير مبرر من منظور المنطق الصوري) لكائن الدراسة، وهو تصور لا يخضع للصياغة الرسمية أو لا يحتاج إليها. ويمكن اعتبار الخبرة الحياتية لأي شخص مثالاً بارزًا على نموذج حدسي للعالم المحيط. كما يجب اعتبار أي معرفة تجريبية لا تفسر أسباب وآليات الظاهرة المرصودة معرفة حدسية.
النمذجة العلمية هي دائمًا نمذجة مبررة منطقيًا، تستخدم الحد الأدنى من الافتراضات التي تُعتمد كفرضيات بناءً على ملاحظات كائن النمذجة.
يكمن الاختلاف الرئيسي بين النمذجة العلمية والحدسية ليس فقط في القدرة على تنفيذ العمليات والإجراءات اللازمة للنمذجة نفسها، بل أيضًا في معرفة الآليات «الداخلية» المستخدمة في هذه العملية. يمكن القول إن النمذجة العلمية لا تعرف فقط كيفية النمذجة، بل ولماذا يجب القيام بذلك بهذه الطريقة. ومن الضروري التأكيد على الدور البالغ الأهمية للحدس والنماذج الحدسية في العلم، فبدونها لا يمكن التوصل إلى أي معرفة جديدة ذات قيمة. وهذه الأخيرة لا يمكن بلوغها بأساليب المنطق الصوري وحدها.
لا ينبغي بأي حال من الأحوال وضع النمذجة الحدسية والعلمية (النظرية) في تعارض مع بعضهما البعض. فهما يكملان بعضهما البعض بشكل جيد، حيث يتقاسمان مجالات تطبيقهما.
النمذجة الرمزية هي النمذجة التي تستخدم كنماذج تمثيلات رمزية من أي نوع: كالرسوم التخطيطية، والرسوم البيانية، والمخططات الهندسية، ومجموعات الرموز، والتي تتضمن أيضًا مجموعة من القوانين والقواعد التي يمكن من خلالها التعامل مع التكوينات والعناصر الرمزية المختارة. ومن أمثلة هذه النماذج يمكن ذكر أي لغة، على سبيل المثال: لغة التواصل البشري الشفهي والمكتوب، واللغة الخوارزمية، إلخ. يُستخدم الشكل الرمزي لنقل المعرفة العلمية والحدسية على حد سواء. كما تعد النمذجة باستخدام العلاقات الرياضية مثالاً على النمذجة الرمزية.
المعرفة الحدسية هي مولّد للمعرفة الجديدة. ومع ذلك، لا تجتاز كل التخمينات والأفكار الاختبار اللاحق بالتجربة وأساليب المنطق الصوري، التي هي من سمات المنهج العلمي، والذي يعمل كمرشح مميز لاستخلاص المعارف الأكثر قيمة.